المقريزي
234
إمتاع الأسماع
وقوله ( بسورة من مثله ) أي من مثل محمد صلى الله عليه وسلم تنبيه على وجه صدقه ، وهو أن صدور مثل هذا الكلام المعجز للخلق عن أمي لا يقرأ ولا يكتب ، يدل على صدقه قطعا ، كما أن قلب العصا حية ، وإحياء الموتى ممن لم يشتغل بعلم السحر ولا الطب يدل على صدقه . وقوله : ( ولن تفعلوا ) ( 1 ) : معجز معترض في هذا الاستدلال ، لأنه إخبار عن غيب ، فإنهم لا يعارضون القرآن ، وكان كما قال . ولقد كان هذا مما يقوي دواعيهم في تعاطيهم المعارضة ، فلو قدروا عليها لفعلوها ثم يكذبوه في خبره ، وقالوا : زعمت أنا لن نفعل ، وها نحن قد فعلنا ، فلما لم يعارضوه مع توفر الدواعي على المعارضة ، دل ذلك على العجز والإعجاز ، فقد تبين أن الإعجاز في القرآن بذاته ، ويكون أهل البلاغة من العرب صرفوا عن معارضته . وقد ذهب إلى هذا بعض المتأخرين فقال : الإعجاز بالأمرين ، إذ لا مناقضة في الجميع ، ألا ترى أن القائل بالصرف يقول : صرف الله دواعي الفصحاء عن الفكر في المعارضة لا مع أفكارها ؟ وقال ابن عطية : وجه الإعجاز في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه ، ووجه إعجازه أن الله قد أحاط بكل شئ علما ، فأحاط بالكلام كله علما ، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته [ أية ] ( 2 ) لفظة تصلح أن تلي الأولى ، ويتبين المعنى بعد المعنى ، عم [ ذلك ] ( 2 ) من أول القرآن إلى آخره . والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن قط محيطا ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا النظر يبطل قول من قال : إن العرب كان في قدرتها أن تأتي بمثل القرآن ، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم صرفوا عن ذلك وعجزوا عنه . والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين ،
--> ( 1 ) زيادة للسياق . ( 2 ) زيادة للسياق .